الأربعاء، 9 يناير، 2013

تفسير سورة الحشر في ظلال القرآن سيد قطب

مقدمة لسورة الحشر

نزلت هذه السورة في حادث بني النضير - حي من أحياء اليهود - في السنة الرابعة من الهجرة . تصف كيف وقع ? ولماذا وقع ? وما كان في أعقابه من تنظيمات في الجماعة الإسلامية . . ترويها بطريقة القرآن الخاصة , وتعقب على الأحداث والتنظيمات بطريقة القرآن كذلك في تربية تلك الجماعة تربية حية بالأحداث والتوجيهات والتعقيبات .

وقبل أن نستعرض النصوص القرآنية في السورة , نعرض شيئا مما ذكرته الروايات عن ذلك الحادث الذي نزلت السورة بشأنه ; لنرى ميزة العرض القرآني , وبعد آماده وراء الأحداث التي تتنزل بشأنها النصوص , فتفي بمقتضيات الأحداث , وتمتد وراءها وحولها في مجالات أوسع وأشمل من مقتضيات تلك الأحداث المحدودةبالزمان والمكان .

كانت وقعة بني النضير في أوائل السنة الرابعة من الهجرة بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب . ومما يذكر عنها أن رسول الله [ ص ] ذهب مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي - رضي الله عنهم - إلى محلة بني النضير , يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد في أول مقدمه على المدينة . فاستقبله يهود بني النضير بالبشر والترحاب ووعدوا بأداء ما عليهم , بينما كانوا يدبرون أمرا لاغتيال رسول الله [ ص ] ومن معه . وكان [ ص ] جالسا إلى جدار من بيوتهم . فقال بعضهم لبعض:إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه . فمن رجل منكم يعلو هذا البيت , فيلقي عليه صخرة , فيريحنا منه ? فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب . فقال:أنا لذلك . فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال . فألهم رسول الله [ ص ] ما يبيت اليهود من غدر . فقام كأنما ليقضي أمرا . فلما غاب استبطأه من معه , فخرجوا من المحلة يسألون عنه , فعلموا أنه دخل المدينة .

وأمر رسول الله [ ص ] بالتهيؤ لحرب بني النضير لظهور الخيانة منهم , ونقض عهد الأمان الذي بينه وبينهم . وكان قد سبق هذا إقذاع كعب بن الأشرف - من بني النضير - في هجاء رسول الله [ ص ] وتأليبه الأعداء عليه . وما قيل من أن كعبا ورهطا من بني النضير اتصلوا بكفار قريش اتصال تآمر وتحالف وكيد ضد النبي [ ص ] مع قيام ذلك العهد بينهم وبينه . مما جعل رسول الله [ ص ] يأذن لمحمد بن مسلمة في قتل كعب بن الأشرف . فقتله .

فلما كان التبييت للغدر برسول الله في محلة بني النضير لم يبق مفر من نبذ عهدهم إليهم . وفق القاعدة الإسلامية:(وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين). . فتجهز رسول الله [ ص ] وحاصر محلة بني النضير , وأمهلهم ثلاثة أيام - وقيل عشرة - ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم , ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم . ولكن المنافقين في المدينة - وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق - أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة , وقالوا لهم:أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم . وإن قوتلتم قاتلنا معكم , وإن أخرجتم خرجنا معكم .

وفي هذا يقول الله تعالى:(ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب:لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا , وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون . لئن أخرجوا لا يخرجون معهم , ولئن قوتلوا لا ينصرونهم , ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون . لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله , ذلك بأنهم قوم لا يفقهون . . .).

فتحصن اليهود في الحصون ; فأمر رسول الله [ ص ] بقطع نخيلهم والتحريق فيها . فنادوه:أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه:فما بال قطع النخيل وتحريقها ? وفي الرد عليهم نزل قوله تعالى:(ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين). .

ولما بلغ الحصار ستا وعشرين ليلة , يئس اليهود من صدق وعد المنافقين لهم , وقذف الله في قلوبهم الرعب , فسألوا رسول الله [ ص ] أن يجليهم ويكف عن دمائهم , كما سبق جلاء بني قينقاع - وقد ذكرنا سببه وظروفه في تفسير سورة الأحزاب في الجزء الحادي والعشرين - على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح . فأجابهم رسول الله [ ص ] فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل . فكان الرجل منهم يهدم بيته عن خشبة بابه فيحمله على ظهر بعيره ; أو يخربه حتى لا يقع في أيدي المسلمين ; وكان المسلمون قد هدموا وخربوا بعض الجدران التي اتخذت حصونا في أيام الحصار .

وفي هذا يقول الله في هذه السورة:(هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله , فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا , وقذف في قلوبهم الرعب , يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين , فاعتبروا يا أولي الأبصار . ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار . ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب). .

وكان منهم من سار إلى خيبر , ومنهم من سار إلى الشام . وكان من أشرافهم ممن سار إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق , وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق , وحي بن أخطب , ممن ورد ذكرهم بعد ذلك في تأليب المشركين على المسلمين في غزوة الأحزاب ووقعة بني قريظة "في سورة الأحزاب" وكان لبعضهم كذلك ذكر في فتح خيبر "في سورة الفتح" .

وكانت أموال بني النضير فيئا خالصا لله وللرسول ; لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا جمال . فقسمها رسول الله [ ص ] على المهاجرين خاصة دون الأنصار عدا رجلين من الأنصار فقيرين هما سهل بن حنيف , وأبو دجانة سماك بن خرشة . وذلك أن المهاجرين لم يكن لهم مال بعد الذي تركوه في مكة وتجردوا منه كله لعقيدتهم . وكان الأنصار قد أنزلوهم دورهم وشاركوهم مالهم في أريحية عالية , وأخوة صادقة , وإيثار عجيب . فلما واتت هذه الفرصة سارع رسول الله [ ص ] لإقامة الأوضاع الطبيعية في المجتمع الإسلامي , كي يكون للفقراء مال خاص , وكي لا يكون المال متداولا في الأغنياء وحدهم . ولم يعط من الأنصار إلا الفقيرين اللذين يستحقان لفقرهما . .

وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم - والراجح أنهم من المنافقين - فقال تعالى:(وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب , ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير). .

وقال رسول الله [ ص ] للأنصار:" إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة . وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم , ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة " فقالت الأنصار:بل نقسم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها .

وفي هذا نزل قوله تعالى: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا , وينصرون الله ورسوله , أولئك هم الصادقون . والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا , ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .

فهذا هو الحادث الذي نزلت فيه هذه السورة , وتعلقت به نصوصها , بما في ذلك خاتمة السورة التي يتوجه فيها الخطاب للذين آمنوا ممن شهدوا هذا الحادث وممن يعرفونه بعد ذلك . على طريقة القرآن في تربية النفوس بالأحداث وبالتعقيب عليها , وربطها بالحقائق الكلية الكبيرة . . ثم الإيقاع الأخير في السورة بذكر صفات الله الذي يدعو الذين آمنوا ويخاطبهم بهذا القرآن . وهي صفات ذات فاعلية وأثر في هذا الكون ; وعلى أساستصور حقيقتها يقوم الإيمان الواعي المدرك البصير .

وتبدأ السورة وتختتم بتسبيح الله الذي له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم . فيتناسق البدء والختام مع موضوع السورة , ومع دعوة المؤمنين للتقوى والخشوع والتفكر في تدبير الله الحكيم .

والآن نسير مع النصوص القرآنية لنرى كيف تصور الأحداث , وكيف تربي النفوس بهذه الأحداث . .

الدرس الأول:1 تسبيح ما في الوجود لله

(سبح لله ما في السماوات وما في الأرض , وهو العزيز الحكيم). .

بهذه الحقيقة التي وقعت وكانت في الوجود . حقيقة تسبيح كل شيء في السماوات وكل شيء في الأرض لله , واتجاهها إليه بالتنزيه والتمجيد . . تفتتح السورة التي تقص قصة إخراج الله للذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم , وإعطائها للمؤمنين به المسبحين بحمده الممجدين لأسمائه الحسنى . . (وهو العزيز الحكيم). . القوي القادر على نصر أوليائه وسحق أعدائه . . الحكيم في تدبيره وتقديره .

الدرس الثاني:2 - 4 الدعوة للإعتبار مما حدث لبني النضير

ثم يقص نبأ الحادث الذي نزلت فيه السورة:

هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر . ما ظننتم أن يخرجوا , وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ; فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا , وقذف في قلوبهم الرعب , يخربون بيتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين , فاعتبروا يا أولي الأبصار . ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا , ولهم في الآخرة عذاب النار . ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله , ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب .

ومن هذه الآيات نعلم أن الله هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر . والله هو فاعل كل شيء . ولكن صيغة التعبير تقرر هذه الحقيقة في صورة مباشرة , توقع في الحس أن الله تولى هذا الإخراج من غير ستار لقدرته من فعل البشر ! وساق المخرجين للأرض التي منها يحشرون , فلم تعد لهم عودة إلى الأرض التي أخرجوا منها .

ويؤكد فعل الله المباشر في إخراجهم وسوقهم بالفقرة التالية في الآية:

(ما ظننتم أن يخرجوا , وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله). .

فلا أنتم كنتم تتوقعون خروجهم ولا هم كانوا يسلمون في تصور وقوعه ! فقد كانوا من القوة والمنعة في حصونهم بحيث لا تتوقعون أنتم أن تخرجوهم منها كما أخرجوا . وبحيث غرتهم هذه المنعة حتى نسوا قوة الله التي لا تردها الحصون !

(فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا . وقذف في قلوبهم الرعب).

أتاهم من داخل أنفسهم ! لا من داخل حصونهم ! أتاهم من قلوبهم فقذف فيها الرعب , ففتحوا حصونهم بأيديهم ! وأراهم أنهم لا يملكون ذواتهم , ولا يحكمون قلوبهم , ولا يمتنعون على الله بإرادتهم وتصميمهم ! فضلا على أن يمتنعوا عليه ببنيانهم وحصونهم . وقد كانوا يحسبون حساب كل شيء إلا أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم . فهم لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم الله منها . وهكذا حين يشاء الله أمرا . يأتي له من حيث يعلم ومن حيث يقدر , وهو يعلم كل شيء , وهو على كل شيء قدير . فلا حاجة إذن إلى سبب ولا إلى وسيلة , مما يعرفه الناس ويقدرونه . فالسبب حاضر دائما والوسيلة مهيأة . والسبب والنتيجة من صنعه , والوسيلةوالغاية من خلقه ; ولن يمتنع عليه سبب ولا نتيجة , ولن يعز عليه وسيلة ولا غاية . . . وهو العزيز الحكيم . .

ولقد تحصن الذين كفروا من أهل الكتاب بحصونهم فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب . ولقد امتنعوا بدورهم وبيوتهم فسلطهم الله على هذه الدور والبيوت يخربونها بأيديهم , ويمكنون المؤمنين من إخرابها:

(يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين). .

وبهذا تتم حكاية ما وقع للذين كفروا من أهل الكتاب , في تلك الصورة الموحية , وهذه الحركة المصورة . . والله - سبحانه - يأتيهم من وراء الحصون فتسقط بفعلهم هم ; ثم يزيدون فيخربونها بأيديهم وأيدي المؤمنين .

هنا يجيء أول تعقيب في ظل هذه الصورة , وعلى إيقاع هذه الحركة:

(فاعتبروا يا أولي الأبصار). .

وهو هتاف يجيء في مكانه وفي أوانه . والقلوب متهيئة للعظة متفتحة للاعتبار .

والآية التالية تقرر أن إرادة الله في النكاية بهم ما كانت لتعفيهم بأية حالة من نكال يصيبهم في الدنيا غير ما ينتظرهم في الآخرة:

(ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا , ولهم في الآخرة عذاب النار). .

فهو أمر مقرر أن ينالهم النكال من الله . بهذه الصورة التي وقعت أو بصورة أخرى . ولولا أن اختار الله جلاءهم لعذبهم عذابا آخر . غير عذاب النار الذي ينتظرهم هناك . فقد استحقوا عذاب الله في صورة من صوره على كل حال !

(ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله . ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب). .

والمشاقة أن يأخذوا لهم شقا غير شق الله , وجانبا غير جانبه . وقد جعل الله جانبه هو جانب رسوله حين وصف علة استحقاقهم للعذاب في صدر الآية . فاكتفى في عجزها بمشاقة الله وحده فهي تشمل مشاقة الرسول وتتضمنها . ثم ليقف المشاقون في ناحية أمام الله - سبحانه - وهو موقف فيه تبجح قبيح , حين يقف المخاليق في وجه الخالق يشاقونه ! وموقف كذلك رعيب , وهذه المخاليق الضئيلة الهزيلة تتعرض لغضب الله وعقابه . وهو شديد العقاب .

وهكذا تستقر في القلوب حقيقة مصائر المشاقين لله في كل أرض وفي كل وقت . من خلال مصير الذين كفروا من أهل الكتاب , وما استحقوا به هذا العقاب .

ولا يفوتنا أن نلحظ تسمية القرآن ليهود بني النضير بأنهم (الذين كفروا من أهل الكتاب)وتكرار هذه الصفة في السورة . فهي حقيقة لأنهم كفروا بدين الله في صورته العليا التي جاء بها محمد [ ص ] وقد كان اليهود ينتظرونها ويتوقعونها . وذكر هذه الصفة في الوقت نفسه يحمل بيانا بسبب التنكيل بهم ; كما أنه يعبئ شعور المسلمين تجاههم تعبئة روحية تطمئن لها قلوبهم فيما فعلوا معهم , وفيما حل بهم من نكال وعذاب على أيديهم . فذكر هذه الحقيقة هنا مقصود ملحوظ !

الدرس الثالث:5 إباحة الحرب الإقتصادية ضد العدو

ثم يطمئن المؤمنين على صواب ما أوقعوه بهؤلاء الذين كفروا وشاقوا الله ورسوله من تقطيع نخيلهم وتحريقه , أو تركه كذلك قائما , وبيان حكم الله فيه . وقد دخل نفوس بعض المسلمين شيء من هذا:

(ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله , وليخزي الفاسقين). .

واللينة الجيدة من النخل , أو نوع جيد منه معروف للعرب إذ ذاك . وقد قطع المسلمون بعض نخل اليهود , وأبقوا بعضه . فتحرجت صدورهم من الفعل ومن الترك . وكانوا منهيين قبل هذا الحادث وبعده عن مثل هذا الاتجاه في التخريب والتحريق . فاحتاج هذا الاستثناء إلى بيان خاص , يطمئن القلوب . فجاءهم هذا البيان يربط الفعل والترك بإذن الله . فهو الذي تولى بيده هذه الموقعة ; وأراد فيها ما أراد , وأنفذ فيها ما قدره , وكان كل ما وقع من هذا بإذنه . أراد به أن يخزي الفاسقين . وقطع النخيل يخزيهم بالحسرة على قطعه ; وتركه يخزيهم بالحسرة على فوته . وإرادة الله وراء هذا وذاك على السواء .

بذلك تستقر قلوب المؤمنين المتحرجة , وتشفى صدورهم مما حاك فيها , وتطمئن إلى أن الله هو الذي أراد وهو الذي فعل . والله فعال لما يريد . وما كانوا هم إلا أداة لإنفاذ ما يريد .

الدرس الرابع:6 - 10 توزيع الفيء وثلاث فئات للمجتمع الإسلامي المهاجرون والأنصار والخلف

فأما المقطع الثاني في السورة فيقرر حكم الفيء الذي أفاءه الله على رسوله في هذه الوقعة وفيما يماثلها , مما لم يتكلف فيه المسلمون غزوا ولا قتالا . . أي الوقائع التي تولتها يد الله جهرة ومباشرة وبدون ستار من الخلق كهذه الوقعة:

وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب . ولكن الله يسلط رسله على من يشاء , والله على كل شيء قدير . ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم . وما آتاكم الرسول فخذوه . وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله , إن الله شديد العقاب . للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم , يبتغون فضلا من الله ورضوانا , وينصرون الله ورسوله , أولئك هم الصادقون . والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم , ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا , ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . والذين جاءوا من بعدهم يقولون:ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان , ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا . ربنا إنك رؤوف رحيم . .

وهذه الآيات التي تبين حكم الله في هذا الفيء وأمثاله , تحوي في الوقت ذاته وصفا لأحوال الجماعة المسلمة في حينها ; كما تقرر طبيعة الأمة المسلمة على توالي العصور , وخصائصها المميزة التي تترابط بها وتتماسك على مدار الزمان , لا ينفصل فيها جيل عن جيل , ولا قوم عن قوم , ولا نفس عن نفس , في الزمن المتطاول بين أجيالها المتعاقبة في جميع بقاع الأرض . وهي حقيقة ضخمة كبيرة ينبغي الوقوف أمامها طويلا في تدبر عميق . .

(وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب , ولكن الله يسلط رسله على من يشاء , والله على كل شيء قدير).

والإيجاف:الركض والإسراع . والركاب:الجمال . والآية تذكر المسلمين أن هذا الفيء الذي خلفه وراءهم بنو النضير لم يركضوا هم عليه خيلا , ولم يسرعوا إليه ركبا , فحكمه ليس حكم الغنيمة التي أعطاهم الله أربعة أخماسها , واستبقى خمسها فقط لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل , كما حكم الله في غنائم بدر الكبرى . إنما حكم هذا الفيء أنه كله لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . والرسول [ ص ] هو الذي يتصرف فيه كله في هذه الوجوه .

وذو القربى المذكورون في الآيتين هم قرابة رسول الله [ ص ] أن كانت الصدقات لا تحل لهم , فليس لهم في الزكاة نصيب , وأن كان النبي لا يورث فليس لذوي قرابته من ماله شيء . وفيهم الفقراء الذين لا مورد لهم . فجعل لهم من خمس الغنائم نصيبا , كما جعل لهم من هذا الفيء وأمثاله نصيبا . فأما بقية الطوائف والمصارف فأمرها معروف . والرسول [ ص ] هو المتصرف فيها .

هذا هو حكم الفيء تبينه الآيات . ولكنها لا تقتصر على الحكم وعلته القريبة . إنما تفتح القلوب على حقيقة أخرى كبيرة: (ولكن الله يسلط رسله على من يشاء). . فهو قدر الله . وهم طرف من هذا القدر يسلطه على من يشاء . (والله على كل شيء قدير). .

بهذا يتصل شأن الرسل بقدر الله المباشر ; ويتحدد مكانهم في دولاب القدر الدوار . ويتبين أنهم - ولو أنهم بشر - متصلون بإرادة الله ومشيئته اتصالا خاصا , يجعل لهم دورا معينا في تحقيق قدر الله في الأرض , بإذن الله وتقديره . فما يتحركون بهواهم , وما يأخذون أو يدعون لحسابهم . وما يغزون أو يقعدون , وما يخاصمون أو يصالحون , إلا لتحقيق جانب من قدر الله في الأرض منوط بهم وبتصرفاتهم وتحركاتهم في هذه الأرض . والله هو الفاعل من وراء ذلك كله . وهو على كل شيء قدير . .

(ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . . كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم . وما آتاكم الرسول فخذوه . وما نهاكم عنه فانتهوا . واتقوا الله إن الله شديد العقاب). .

وتبين هذه الآية الحكم الذي أسلفنا تفصيلا . ثم تعلل هذه القسمة فتضع قاعدة كبرى من قواعد التنظيم الإقتصادي والإجتماعي في المجتمع الإسلامي: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم). . كما تضع قاعدة كبرى في التشريع الدستوري للمجتمع الإسلامي: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). . ولو أن هاتين القاعدتين جاءتا بمناسبة هذا الفيء وتوزيعه , إلا أنهما تتجاوزان هذا الحادث الواقع إلى آماد كثيرة في أسس النظام الاجتماعي الإسلامي .

والقاعدة الأولى , قاعدة التنظيم الاقتصادي , تمثل جانبا كبيرا من أسس النظرية الاقتصادية في الإسلام . فالملكية الفردية معترف بها في هذا النظرية . ولكنها محددة بهذه القاعدة . قاعدة ألا يكون المال دولة بين الأغنياء , ممنوعا من التداول بين الفقراء . فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الإغنياء وحدهم هو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية كما يخالف هدفا من أهداف التنظيم الاجتماعي كله . وجميع الارتباطات والمعاملات في المجتمع الإسلامي يجب أن تنظم بحيث لا تخلق مثل هذا الوضع أو تبقي عليه إن وجد .

ولقد أقام الإسلام بالفعل نظامه على أساس هذه القاعدة . ففرض الزكاة . وجعل حصيلتها في العام اثنين ونصفا في المئة من أصل رؤوس الأموال النقدية , وعشرة أو خمسة في المئة من جميع الحاصلات . وما يعادل ذلك في الأنعام . وجعل الحصيلة في الركاز وهو كنوز الأرض مثلها في المال النقدي . وهي نسب كبيرة . ثم جعل أربعة أخماس الغنيمة للمجاهدين فقراء وأغنياء بينما جعل الفيء كله للفقراء . وجعل نظامه المختار في إيجار الأرض هو المزارعة - أي المشاركة في المحصول الناتج بين صاحب الأرض وزارعها .

وجعل للإمام الحق في أن يأخذ فضول أموال الأغنياء فيردها على الفقراء . وأن يوظف في أموال الأغنياء عند خلو بيت المال . وحرم الاحتكار . وحظر الربا . وهما الوسيلتان الرئيسيتان لجعل المال دولة بين الأغنياء . وعلى الجملة أقام نظامه الاقتصادي كله بحيث يحقق تلك القاعدة الكبرى التي تعد قيدا أصيلا على حق الملكية الفردية بجانب القيود الأخرى .

ومن ثم فالنظام الإسلامي نظام يبيح الملكية الفردية , ولكنه ليس هو النظام الرأسمالي , كما أن النظام الرأسمالي ليس منقولا عنه , فما يقوم النظام الرأسمالي إطلاقا بدون ربا وبدون احتكار , إنما هو نظام خاص من لدن حكيم خبير . نشأ وحده . وسار وحده , وبقي حتى اليوم وحده . نظاما فريدا متوازن الجوانب , متعادل الحقوق والواجبات , متناسقا تناسق الكون كله . مذ كان صدوره عن خالق الكون . والكون متناسق موزون !

فأما القاعدة الثانية - قاعدة تلقي الشريعة من مصدر واحد: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). . فهي كذلك تمثل النظرية الدستورية الإسلامية . فسلطان القانون في الإسلام مستمد من أن هذا التشريع جاء به الرسول [ ص ] قرآنا أو سنة . والأمة كلها والإمام معها لا تملك أن تخالف عما جاء به الرسول . فإذا شرعت ما يخالفه لم يكن لتشريعها هذا سلطان , لأنه فقد السند الأول الذي يستمد منه السلطان . . وهذه النظرية تخالف جميع النظريات البشرية الوضعية , بما فيها تلك التي تجعل الأمة مصدر السلطات , بمعنى أن للأمة أن تشرع لنفسها ما تشاء , وكل ما تشرعه فهو ذو سلطان . فمصدر السلطات في الإسلام هو شرع الله الذي جاء به الرسول [ ص ] والأمة تقوم على هذه الشريعة وتحرسها وتنفذها - والإمام نائب عن الأمة في هذا - وفي هذا تنحصر حقوق الأمة . فليس لها أن تخالف عما آتاها الرسول في أي تشريع .

فأما حين لا توجد نصوص فيما جاء به الرسول بخصوص أمر يعرض للأمة فسبيلها أن تشرع له بما لا يخالف أصلا من أصول ما جاء به الرسول . وهذا لا ينقض تلك النظرية , إنما هو فرع عنها . فالمرجع في أي تشريع هو أن يتبع ما جاء به الرسول إن كان هناك نص . وألا يخالف أصلا من أصوله فيما لا نص فيه . وتنحصر سلطة الأمة - والإمام النائب عنها - في هذه الحدود . وهو نظام فريد لا يماثله نظام آخر مما عرفته البشرية من نظم وضعية . وهو نظام يربط التشريع للناس بناموس الكون كله . وينسق بين ناموس الكون الذي وضعه الله له والقانون الذي يحكم البشر وهو من الله . كي لا يصطدم قانون البشر بناموس الكون , فيشقى الإنسان أو يتحطم أو تذهب جهوده أدراج الرياح !

وتربط الآية هاتين القاعدتين في قلوب المؤمنين بمصدرهما الأول . . وهو الله . . فتدعوهم إلى التقوى وتخوفهم عقاب الله: (واتقوا الله إن الله شديد العقاب). . وهذا هو الضمان الأكبر الذي لا احتيال عليه , ولا هروب منه . فقد علم المؤمنون أن الله مطلع على السرائر , خبير بالأعمال , وإليه المرجع والمآب . وعلموا أنه شديد العقاب . وعلموا أنهم مكلفون ألا يكون المال دولة بينهم , وأن يأخذوا ما آتاهم الرسول عن رضى وطاعة , وأن ينتهوا عما نهاهم عنه في غير ترخص ولا تساهل وأمامهم يوم عصيب . .

ولقد كان توزيع ذلك الفيء - فيء بني النضير - على المهاجرين وحدهم عدا رجلين من الأنصار إجراء خاصا بهذا الفيء , تحقيقا لقاعدة: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم). . فأما الحكم العام , فهو أن يكون للفقراء عامة . من المهاجرين ومن الأنصار وممن يأتي بعدهم من الأجيال . وهذا ما تضمنته الآيات التالية في السياق .

ولكن القرآن لا يذكر الأحكام جافة مجردة , إنما يوردها في جو حي يتجاوب فيه الأحياء . ومن ثم أحاط كل طائفة من هذه الطوائف الثلاث بصفاتها الواقعية الحية التي تصور طبيعتها وحقيقتها ; وتقرر الحكم حيا يتعامل مع هؤلاء الأحياء:

(للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا , وينصرون الله ورسوله , أولئك هم الصادقون). .

وهي صورة صادقة تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين . . أخرجوا إخراجا من ديارهم وأموالهم . أكرههم على الخروج الأذى والاضطهاد والتنكر من قرابتهم وعشيرتهم في مكة . لا لذنب إلا أن يقولوا ربنا الله . . . وقد خرجوا تاركين ديارهم وأموالهم (يبتغون فضلا من الله ورضوانا)اعتمادهم على الله في فضله ورضوانه . لا ملجأ لهم سواه , ولا جناب لهم إلا حماه . . وهم مع أنهم مطاردون قليلون (ينصرون الله ورسوله). . بقلوبهم وسيوفهم في أحرج الساعات وأضيق الأوقات . (أولئك هم الصادقون). . الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم , وصدقوها بعملهم . وكانوا صادقين مع الله في أنهم اختاروه . وصادقين مع رسوله في أنهم اتبعوه . وصادقين مع الحق في أنهم كانوا صورة منه تدب على الأرض ويراها الناس !

والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم , يحبون من هاجر إليهم , ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا , ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . .

وهذه كذلك صورة وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار . هذه المجموعة التي تفردت بصفات , وبلغت إلى آفاق , لولا أنها وقعت بالفعل , لحسبها الناس أحلاما طائرة ورؤى مجنحة ومثلا عليا قد صاغها خيال محلق . .

والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم . . أي دار الهجرة . يثرب مدينة الرسول [ ص ] وقد تبوأها الأنصار قبل المهاجرين . كما تبوأوا فيها الإيمان . وكأنه منزل لهم ودار . وهو تعبير ذو ظلال . وهو أقرب ما يصور موقف الأنصار من الإيمان . لقد كان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم , وتسكن إليه أرواحهم , ويثوبون إليه ويطمئنون له , كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار .

(يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا). . ولم يعرف تاريخ البشرية كله حادثا جماعيا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين . بهذا الحب الكريم . وبهذا البذل السخي . وبهذه المشاركة الرضية . وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء . حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة . لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين ! (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا). . مما يناله المهاجرون من مقام مفضل في بعض المواضع , ومن مال يختصون به كهذا الفيء , فلا يجدون في أنفسهم شيئا من هذا . ولا يقول:حسدا ولا ضيقا . إنما يقول:(شيئا). مما يلقي ظلال النظافة الكاملة لصدورهم والبراءة المطلقة لقلوبهم , فلا تجد شيئا أصلا .

(ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). . والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا . وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد البشرية له نظيرا . وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر قديما وحديثا .

(ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). . فهذا الشح . شح النفس . هو المعوق عن كل خير . لأن الخير بذل في صورة من الصور . بذل في المال . وبذل في العاطفة . وبذل في الجهد . وبذل في الحياة عند الاقتضاء . وما يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائما أن يأخذ ولا يهم مرة أن يعطي . ومن يوق شح نفسه , فقد وقي هذا المعوق عن الخير , فانطلق إليه معطيا باذلا كريما . وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه .

والذين جاءوا من بعدهم , يقولون:ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان , ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا . ربنا إنك رؤوف رحيم . .

وهذه الصورة الثالثة النظيفة الرضية الواعية . وهي تبرز أهم ملامح التابعين . كما تبرز أخص خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان .

هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار - ولم يكونوا قد جاءوا بعد عند نزول الآية في المدينة , إنما كانوا قد جاءوا في علم الله وفي الحقيقة القائمة في هذا العلم المطلق من حدود الزمان والمكان - سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها في طلب المغفرة , لا لذاتها ولكن كذلك لسلفها الذين سبقوا بالإيمان ; وفي طلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا على وجه الإطلاق , ممن يربطهم معهم رباط الإيمان . مع الشعور برأفة الله , ورحمته , ودعائه بهذه الرحمة , وتلك الرأفة: (ربنا إنك رؤوف رحيم). .

وتتجلى من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة المسلمة وصورتها الوضيئة في هذا الوجود . تتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها , وآخرها بأولها , في تضامن وتكافل وتواد وتعاطف . وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب ; وتتفرد وحدها في القلوب , تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة , فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة , كما يذكر أخاه الحي , أو أشد , في إعزاز وكرامة وحب . ويحسب السلف حساب الخلف . ويمضي الخلف على آثار السلف . صفا واحدا وكتيبة واحدة على مدار الزمان واختلاف الأوطان , تحت راية الله تغذ السير صعدا إلى الأفق الكريم , متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم .

إنها صورة باهرة , تمثل حقيقة قائمة ; كما تمثل أرفع وأكرم مثال للبشرية يتصوره قلب كريم . صورة تبدو كرامتها ووضاءتها على أتمها حين تقرن مثلا إلى صورة الحقد الذميم والهدم اللئيم التي تمثلها وتبشر بها الشيوعية في إنجيل كارل ماركس . صورة الحقد الذي ينغل في الصدور , وينخر في الضمير , على الطبقات , وعلى أجيال البشرية السابقة , وعلى أممها الحاضرة التي لا تعتنق الحقد الطبقي الذميم . وعلى الإيمان والمؤمنين من كل أمة وكل دين !

صورتان لا التقاء بينهما في لمحة ولا سمة , ولا لمسة ولا ظل . صورة ترفع البشرية إلى أعلى مراقيها ; وصورة تهبط بها إلى أدنى دركاتها . صورة تمثل الأجيال من وراء الزمان والمكان والجنس والوطن والعشيرة والنسب متضامنة مترابطة متكافلة متوادة متعارفة صاعدة في طريقها إلى الله , بريئة الصدور من الغل , طاهرة القلوب من الحقد , وصورة تمثل البشرية أعداء متناحرين يلقي بعضهم بعضا بالحقد والدخل والدغل والغش والخداع والالتواء . حتى وهم في المعبد يقيمون الصلاة . فالصلاة ليست سوى أحبولة , والدين كله ليس إلا فخا ينصبه رأس المال للكادحين !

(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان , ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا . ربنا إنك رؤوف رحيم). .

هذه هي قافلة الإيمان . وهذا هو دعاء الإيمان . وإنها لقافلة كريمة . وإنه لدعاء كريم .

الدرس الخامس:11 - 17 الولاء بين المنافقين واليهود وإغواء الشيطان لاتباعه

وحين ينتهي السياق من رسم هذه الصورة الوضيئة , ورفعها على الأفق في إطار النور . يعود إلى الحادث الذي نزلت فيه السورة , ليرسم صورة لفريق آخر ممن اشتركوا فيها . فريق المنافقين:

ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب:لئن أخرجتم لنخرجن معكم , ولا نطيع فيكم أحدا أبدا , وإن قوتلتم لننصرنكم , والله يشهد إنهم لكاذبون . لئن أخرجوا لا يخرجون معهم , ولئن قوتلوا لا ينصرونهم , ولئن نصروهم ليولن الأدبار , ثم لا ينصرون . لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله , ذلك بأنهم قوم لا يفقهون . لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر , بأسهم بينهم شديد , تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى , ذلك بأنهم قوم لا يعقلون . كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم , ولهم عذاب أليم . كمثل الشيطان إذ قال للإنسان:اكفر . فلما كفر قال:إني بريء منك , إني أخاف الله رب العالمين . فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها , وذلك جزاء الظالمين . .

وهي حكاية لما قاله المنافقون ليهود بني النضير , ثم لم يفوا به , وخذلوهم فيه , حتى أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب . ولكن في كل جملة قرآنية لفتة تقرر حقيقة , وتمس قلبا , وتبعث انفعالا , وتقر مقوما من مقومات التربية والمعرفة والإيمان العميق .

وأول لفتة هي تقرير القرابة بين المنافقين والذين كفروا من أهل الكتاب:

(ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب).

فأهل الكتاب هؤلاء كفروا . والمنافقون إخوانهم ولو أنهم يلبسون رداء الإسلام ! ثم هذا التوكيد الشديد في وعد المنافقين لإخوانهم:

(لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا , وإن قوتلتم لننصرنكم). .

والله الخبير بحقيقتهم يقرر غير ما يقررون , ويؤكد غير ما يؤكدون:

(والله يشهد إنهم لكاذبون . لئن أخرجوا لا يخرجون معهم , ولئن قوتلوا لا ينصرونهم , ولئن نصروهم ليولن الأدبار . ثم لا ينصرون). .

وكان ما شهد به الله . وكذب ما أعلنوه لإخوانهم وقرروه !

ثم يقرر حقيقة قائمة في نفوس المنافقين وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب:

(لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله . ذلك بأنهم قوم لا يفقهون).

فهم يرهبون المؤمنين أشد مما يرهبون الله . ولو خافوا الله ما خافوا أحدا من عباده . فإنما هو خوف واحد ورهبة واحدة . ولا يجتمع في قلب خوف من الله وخوف من شيء سواه . فالعزة لله جميعا , وكل قوى الكون خاضعة لأمره , (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها)فمم يخاف إذن ذلك الذي يخاف الله ? ولكن الذين لا يفقهون هذه الحقيقة يخافون عباد الله أشد مما يخافون الله . . (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون). .

وهكذا يكشف عن حقيقة القوم الواقعة . ويقرر في الوقت ذاته تلك الحقيقة المجردة . ويمضي يقرر حالة قائمة في نفوس المنافقين والذين كفروا من أهل الكتاب , تنشأ من حقيقتهم السابقة , ورهبتهم للمؤمنين أشد من رهبتهم لله .

(لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر . بأسهم بينهم شديد . تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى . ذلك بأنهم قوم لا يعقلون). .

وما تزال الأيام تكشف حقيقة الإعجاز في "تشخيص" حالة المنافقين وأهل الكتاب حيثما التقى المؤمنون بهم في أي زمان وفي أي مكان . بشكل واضح للعيان . ولقد شهدت الاشتباكات الأخيرة في الأرض المقدسة بين المؤمنين الفدائيين وبين اليهود مصداق هذا الخبر بصورة عجيبة . فما كانوا يقاتلونهم إلا في المستعمرات المحصنة في أرض فلسطين . فإذا انكشفوا لحظة واحدة ولوا الأدبار كالجرذان . حتى لكأن هذه الآية نزلت فيهم ابتداء . وسبحان العليم الخبير !
وتبقى الملامح النفسية الأخرى (بأسهم بينهم شديد). . (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى)على خلاف المؤمنين الذين تتضامن أجيالهم , وتجمعهم آصرة الإيمان من وراء فواصل الزمان والمكان , والجنس والوطن والعشيرة . . (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون). .

والمظاهر قد تخدع فنرى تضامن الذين كفروا من أهل الكتاب فيما بينهم , ونرى عصبيتهم بعضهم لبعض , كما نرى تجمع المنافقين أحيانا في معسكر واحد . ولكن الخبر الصادق من السماء يأتينا بأنهم ليسوا كذلك في حقيقتهم ; إنما هو مظهر خارجي خادع . وبين الحين والحين ينكشف هذا الستار الخداع . فيبدو من ورائه صدق الخبر في دنيا الواقع المنظور , وينكشف الحال عن نزاع في داخل المعسكر الواحد , قائم على اختلاف المصالح وتفرق الأهواء , وتصادم الاتجاهات . وما صدق المؤمنون مرة , وتجمعت قلوبهم على الله حقا إلا وانكشف المعسكر الآخر أمامهم عن هذه الاختلافات وهذا التضارب وهذا الرياء الذي لا يمثل حقيقة الحال .

وما صبر المؤمنون وثبتوا إلا وشهدوا مظهر التماسك بين أهل الباطل يتفسخ وينهار , وينكشف عن الخلاف الحاد والشقاق والكيد والدس في القلوب الشتيتة المتفرقة !

إنما ينال المنافقون والذين كفروا من أهل الكتاب . . من المسلمين . . عندما تتفرق قلوب المسلمين , فلا يعودون يمثلون حقيقة المؤمنين التي عرضتها الآية في المقطع السابق في هذه السورة . فأما في غير هذه الحالة فالمنافقون أضعف وأعجز , وهم والذين كفروا من أهل الكتاب متفرقو الأهواء والمصالح والقلوب (بأسهم بينهم شديد). . (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى). .

والقرآن يقر هذه الحقيقة في قلوب المؤمنين , ليهون فيها من شأن أعدائهم ; ويرفع منها هيبة هؤلاء الأعداء ورهبتهم . فهو إيحاء قائم على حقيقة ; وتعبئة روحية ترتكن إلى حق ثابت . ومتى أخذ المسلمون قرآنهم مأخذ الجد هان عليهم أمر عدوهم وعدو الله , وتجمعت قلوبهم في الصف الواحد , فلم تقف لهم قوة في الحياة .

والمؤمنون بالله ينبغي لهم أن يدركوا حقيقة حالهم وحال أعدائهم . فهذا نصف المعركة . والقرآن يطلعهم على هذه الحقيقة في سياق وصفه لحادث وقع , وفي سياق التعقيب عليه , وشرح ما وراءه من حقائق ودلائل , شرحا يفيد منه الذين شهدوا ذلك الحادث بعينه , ويتدبره كل من جاء بعدهم , وأراد أن يعرف الحقيقة من العالم بالحقيقة !

ولم يكن حادث بني النضير هو الأول من نوعه , فقد سبقه حادث بني قينقاع الذي تشير إليه الآية بعد ذلك غالبا:

(كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم). .

ووقعة بني قينقاع كانت بعد غزوة بدر وقبل غزوة أحد . وكان بينهم وبين رسول الله [ ص ] عهد . فلما انتصر المسلمون على المشركين في بدر كره اليهود ذلك , وحقدوا على المسلمين أن ينالوا هذا الانتصار العظيم , وخافوا أن يؤثر هذا على موقفهم في المدينة فيضعف من مركزهم بقدر ما يقوي من مركز المسلمين . وبلغ رسول الله [ ص ] ما يتهامسون به وما يفكرون فيه من الشر , فذكرهم العهد وحذرهم مغبة هذ الاتجاه . فردوا ردا غليظا مغيظا فيه تهديد . قالوا:يا محمد . إنك لترى أنا قومك ! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة . إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس !

ثم أخذوا يتحرشون بالمسلمين ; وذكرت الروايات من هذا أن امرأة من العرب قدمت ببضاعة لها فباعتها بسوق بني قينقاع , وجلست إلى صائغ بها , فجعلوا يريدونها على كشف وجهها , فأبت , فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها , فلما قامت انكشفت سوأتها , فضحكوا بها , فصاحت . فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله . وشدت يهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين . فغضب المسلمون , فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع .

وحاصرهم رسول الله [ ص ] حتى نزلوا على حكمه . فقام رأس المنافقين عبدالله بن أبي ابن سلول يجادل رسول الله عنهم , باسم ما كان بينهم وبين الخزرج من عهد ! ولكن الحقيقة كانت هي هذه الصلة بين المنافقين وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ! فرضي رسول الله [ ص ] في النهاية أن يجلوا عن المدينة , وأن يأخذوا معهم أموالهم ومتاعهم - إلا السلاح - ورحلوا إلى الشام .

فهذه هي الواقعة التي يشير إليها القرآن ويقيس عليها حال بني النضير وحقيقتهم . . وحال المنافقين مع هؤلاء وهؤلاء !

ويضرب للمنافقين الذين أغروا إخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب بالمقاومة , فانتهوا بهم إلى تلك النهاية البائسة . يضرب لهم مثلا بحال دائمة . حال الشيطان مع الإنسان , الذي يستجيب لإغرائه فينتهي وإياه إلى شر مصير:

(كمثل الشيطان إذ قال للإنسان:اكفر . فلما كفر قال:إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين . فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها , وذلك جزاء الظالمين). .

وصورة الشيطان هنا ودوره مع من يستجيب له من بني الإنسان , تتفقان مع طبيعته ومهمته . فأعجب العجب أن يستمع إليه الإنسان . وحاله هو هذا الحال !

وهي حقيقة دائمة ينتقل السياق القرآني إليها من تلك الواقعة العارضة . فيربط بين الحادث المفرد والحقيقة الكلية , في مجال حي من الواقع ; ولا ينعزل بالحقائق المجردة في الذهن . فالحقائق المجردة الباردة لا تؤثر في المشاعر , ولا تستجيش القلوب للاستجابة . وهذا فرق ما بين منهج القرآن في خطاب القلوب , ومنهج الفلاسفة والدارسين والباحثين !

وبهذا المثل الموحي تنتهي قصة بني النضير . وقد ضمت في ثناياها وفي أعقابها هذا الحشد من الصور والحقائق والتوجيهات . واتصلت أحداثها المحلية الواقعة بالحقائق الكبرى المجردة الدائمة . وكانت رحلة في عالم الواقع وفي عالم الضمير , تمتد إلى أبعد من حدود الحادث ذاته , وتفترق روايتها في كتاب الله عن روايتها في كتب البشر بمقدار ما بين صنع الله وصنع البشر من فوارق لا تقاس !!

الدرس السادس:18 - 20 الدعوة إلى التقوى والتحذير من النسيان وعدم استواء أصحاب النار وأصحاب الجنة

وعند هذا الحد من رواية الحادث والتعقيب عليه وربطه بالحقائق البعيدة المدى يتجه الخطاب في السورة إلى المؤمنين , يهتف بهم باسم الإيمان , ويناديهم بالصفة التي تربطهم بصاحب الخطاب , وتيسر عليهم الاستجابة لتوجيهه وتكليفه . يتجه إليهم ليدعوهم إلى التقوى . والنظر فيما أعدوه للآخرة , واليقظة الدائمة , والحذر من نسيان الله كالذين نسوه من قبل , ممن رأوا مصير فريق منهم , وممن كتب عليهم أنهم من أصحاب النار:

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله , ولتنظر نفس ما قدمت لغد , واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون , ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم , أولئك هم الفاسقون . لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة . أصحاب الجنة هم الفائزون). .

والتقوى حالة في القلب يشير إليها اللفظ بظلاله , ولكن العبارة لا تبلغ تصوير حقيقتها . حالة تجعل القلب يقظا حساسا شاعرا بالله في كل حالة . خائفا متحرجا مستحييا أن يطلع عليه الله في حالة يكرهها . وعين الله على كل قلب في كل لحظة . فمتى يأمن أن لا يراه ?!

(ولتنظر نفس ما قدمت لغد). .

وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه . . ومجرد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته , ويمد ببصره في سطورها كلها يتأملها وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته . لينظر ماذا قدم لغده في هذه الصفحة . . وهذا التأمل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير , مهما يكن قد أسلف من خير وبذل من جهد . فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلا , ونصيبه من البر ضئيلا ? إنها لمسة لا ينام بعدها القلب أبدا , ولا يكف عن النظر والتقليب !

ولا تنتهي الآية التي تثير كل هذه المشاعر حتى تلح على القلوب المؤمنة بمزيد من الإيقاع:

(واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). .

فتزيد هذه القلوب حساسية ورهبة واستحياء . .

والله خبير بما يعملون . .

وبمناسبة ما تدعوهم إليه هذه الآية من يقظة وتذكر يحذرهم في الآية التالية . من أن يكونوا (كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم). . وهي حالة عجيبة . ولكنها حقيقة . . فالذي ينسى الله يهيم في هذه الحياة بلا رابطة تشده إلى أفق أعلى , وبلا هدف لهذه الحياة يرفعه عن السائمة التي ترعى . وفي هذا نسيان لإنسانيته . وهذه الحقيقة تضاف إليها أو تنشأ عنها حقيقة أخرى , وهي نسيان هذا المخلوق لنفسه فلا يدخر لها زادا للحياة الطويلة الباقية , ولا ينظر فيما قدم لها في الغداة من رصيد .

(أولئك هم الفاسقون). . المنحرفون الخارجون .

وفي الآية التالية يقرر أن هؤلاء هم أصحاب النار , ويشير للمؤمنين ليسلكوا طريقا غير طريقهم وهم أصحاب الجنة . وطريق أصحاب الجنة غير طريق أصحاب النار:

(لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة . أصحاب الجنة هم الفائزون). .
لا يستويان طبيعة وحالا , ولا طريقا ولا سلوكا , ولا وجهة ولا مصيرا . فهما على مفرق طريقين لا يلتقيان أبدا في طريق . ولا يلتقيان أبدا في سمة . ولا يلتقيان أبدا في خطة . ولا يلتقيان أبدا في سياسة . ولا يلتقيان أبدا في صف واحد في دنيا ولا آخرة . .

(أصحاب الجنة هم الفائزون). . يثبت مصيرهم ويدع مصير أصحاب النار مسكوتا عنه . معروفا . وكأنه ضائع لا يعنى به التعبير !

الدرس السابع:21 أثر القرآن على النفوس

ثم يجيء الإيقاع الذي يتخلل القلب ويهزه ; وهو يعرض أثر القرآن في الصخر الجامد لو تنزل عليه:

(لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله . وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون).

وهي صورة تمثل حقيقة . فإن لهذا القرآن لثقلا وسلطانا وأثرا مزلزلا لا يثبت له شيء يتلقاه بحقيقته . ولقد وجد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ما وجد , عندما سمع قارئا يقرأ: والطور , وكتاب مسطور , في رق منشور , والبيت المعمور , والسقف المرفوع , والبحر المسجور , إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع . . . فارتكن إلى الجدار . ثم عاد إلى بيته يعوده الناس شهرا مما ألم به !

واللحظات التي يكون فيها الكيان الإنساني متفتحا لتلقي شيء من حقيقة القرآن يهتز فيها اهتزازا ويرتجف ارتجافا . ويقع فيه من التغيرات والتحولات ما يمثله في عالم المادة فعل المغنطيس والكهرباء بالأجسام . أو أشد .

والله خالق الجبال ومنزل القرآن يقول: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله). . والذين أحسوا شيئا من مس القرآن في كيانهم يتذوقون هذه الحقيقة تذوقا لا يعبر عنه إلا هذا النص القرآني المشع الموحي .

(وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون). .

وهي خليقة بأن توقظ القلوب للتأمل والتفكير . .

الدرس الثامن:22 - 24 مجموعة من أسماء الله الحسنى وتسبيح الكون له

وأخيرا تجيء تلك التسبيحة المديدة بأسماء الله الحسنى ; وكأنما هي أثر من آثار القرآن في كيان الوجود كله , ينطلق بها لسانه وتتجاوب بها أرجاؤه ; وهذه الأسماء واضحة الآثار في صميم هذا الوجود وفي حركته وظواهره , فهو إذ يسبح بها يشهد كذلك بآثارها:

هو الله الذي لا إله إلا هو , عالم الغيب والشهادة , هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو , الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر . سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور , له الأسماء الحسنى , يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم).

إنها تسبيحة مديدة بهذه الصفات المجيدة . ذات ثلاثة مقاطع . يبدأ كل مقطع منها بصفة التوحيد: (هو الله الذي لا إله إلا هو). . أو (هو الله). .

ولكل اسم من هذه الأسماء الحسنى أثر في هذا الكون ملحوظ , وأثر في حياة البشر ملموس . فهي توحي إلى القلب بفاعلية هذه الأسماء والصفات . فاعلية ذات أثر وعلاقة بالناس والأحياء . وليست هي صفات سلبية أو منعزلة عن كيان هذا الوجود , وأحواله وظواهره المصاحبة لوجوده .

(هو الله الذي لا إله إلا هو). . فتتقرر في الضمير وحدانية الاعتقاد , ووحدانية العبادة , ووحدانية الاتجاه , ووحدانية الفاعلية من مبدأ الخلق إلى منتهاه . ويقوم على هذه الوحدانية منهج كامل في التفكير والشعور والسلوك , وارتباطات الناس بالكون وبسائر الأحياء . وارتباطات الناس بعضهم ببعض على أساس وحدانية الإله .

(عالم الغيب والشهادة). . فيستقر في الضمير الشعور بعلم الله للظاهر والمستور . ومن ثم تستيقظ مراقبة هذا الضمير لله في السر والعلانية ; ويعمل الإنسان كل ما يعمل بشعور المراقب من الله المراقب لله , الذي لا يعيش وحده , ولو كان في خلوة أو مناجاة ! ويتكيف سلوكه بهذا الشعور الذي لا يغفل بعده قلب ولا ينام !

(هو الرحمن الرحيم)فيستقر في الضمير شعور الطمأنينة لرحمة الله والاسترواح . ويتعادل الخوف والرجاء , والفزع والطمأنينة . فالله في تصور المؤمن لا يطارد عباده ولكن يراقبهم . ولا يريد الشر بهم بل يحب الهدى , ولا يتركهم بلا عون وهم يصارعون الشرور والأهواء .
(هو الله الذي لا إله إلا هو). . يعيدها في أول التسبيحة التالية , لأنها القاعدة التي تقوم عليها سائر الصفات . .

(الملك). . فيستقر في الضمير أن لا ملك إلا الله الذي لا إله إلا هو . وإذا توحدت الملكية لم يبق للمملوكين إلا سيد واحد يتوجهون إليه , ولا يخدمون غيره . فالرجل لا يخدم سيدين في وقت واحد (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه). .

(القدوس)وهو اسم يشع القداسة المطلقة والطهارة المطلقة . ويلقي في ضمير المؤمن هذا الإشعاع الطهور , فينظف قلبه هو ويطهره , ليصبح صالحا لتلقي فيوض الملك القدوس , والتسبيح له والتقديس .

(السلام). . وهو اسم كذلك يشيع السلام والأمن والطمأنينة في جنبات الوجود , وفي قلب المؤمن تجاه ربه . فهو آمن في جواره , سالم في كنفه . وحيال هذا الوجود وأهله من الأحياء والأشياء . ويؤوب القلب من هذا الاسم بالسلام والراحة والاطمئنان . وقد هدأت شرته وسكن بلباله وجنح إلى الموادعة والسلام .

(المؤمن)واهب الأمن وواهب الإيمان . ولفظ هذا الاسم يشعر القلب بقيمة الإيمان , حيث يلتقي فيه بالله , ويتصف منه بإحدى صفات الله . ويرتفع إذن إلى الملأ الأعلى بصفة الإيمان .

(المهيمن). . وهذا بدء صفحة أخرى في تصور صفة الله - سبحانه - إذ كانت الصفات السابقة: (القدوس السلام المؤمن)صفات تتعلق مجردة بذات الله . فأما هذه فتتعلق بذات الله فاعلة في الكون والناس . توحي بالسلطان والرقابة .

وكذلك: (العزيز . الجبار . المتكبر). . فهي صفات توحي بالقهر والغلبة والجبروت والاستعلاء . فلا عزيز إلا هو . ولا جبار إلا هو . ولا متكبر إلا هو . وما يشاركه أحد في صفاته هذه . وما يتصف بها سواه . فهو المتفرد بها بلا شريك .

ومن ثم يجيء ختام الآية: (سبحان الله عما يشركون). .

ثم يبدأ المقطع الأخير في التسبيحة المديدة .

(هو الله). . فهي الألوهية الواحدة . وليس غيره بإله .

(الخالق). .(البارئ). . والخلق:التصميم والتقدير . والبرء:التنفيذ والإخراج , فهما صفتان متصلتان والفارق بينهما لطيف دقيق . .

(المصور). وهي كذلك صفة مرتبطة بالصفتين قبلها . ومعناها إعطاء الملامح المتميزة والسمات التي تمنح لكل شيء شخصيته الخاصة .

وتوالي هذه الصفات المترابطة اللطيفة الفروق , يستجيش القلب لمتابعة عملية الخلق والإنشاء والإيجاد والإخراج مرحلة مرحلة - حسب التصور الإنساني - فأما في عالم الحقيقة فليست هناك مراحل ولا خطوات . وما نعرفه عن مدلول هذه الصفات ليس هو حقيقتها المطلقة فهذه لا يعرفها إلا الله . إنما نحن ندرك شيئا من آثارها هو الذي نعرفها به في حدود طاقاتنا الصغيرة !

(له الأسماء الحسنى). . الحسنى في ذاتها . بلا حاجة إلى استحسان من الخلق ولا توقف على استحسانهم .

والحسنى التي توحي بالحسن للقلوب وتفيضه عليها . وهي الأسماء التي يتدبرها المؤمن ليصوغ نفسه وفق إيحائها واتجاهها , إذ يعلم أن الله يحب له أن يتصف بها . وأن يتدرج في مراقيه وهو يتطلع إليها .

وخاتمة هذه التسبيحة المديدة بهذه الأسماء الحسنى , والسبحة البعيدة مع مدلولاتها الموحية وفي فيوضها العجيبة , هي مشهد التسبيح لله يشيع في جنبات الوجود , وينبعث من كل موجود:

يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم . .

وهو مشهد يتوقعه القلب بعد ذكر تلك الأسماء ; ويشارك فيه مع الأشياء والأحياء . . كما يتلاقى فيه المطلع والختام . في تناسق والتئام .

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق